أخبار العالم / المصرى اليوم

عصام محمد عبدالفتاح يكتب: ماذا بعد؟

اشترك لتصلك أهم الأخبار

كثيرًا ما يتردد هذا السؤال على ألسنة المفكرين والمثقفين حينما تقع أحداث جسام فى أنحاء العالم: هجمات إرهابية ومذابح وتفجيرات ومآسٍ لا عد ولا حصر لها. هناك من يهاجم الأصولية والتطرف وهناك من يدافع عنهما بتحيز أعمى. نسمع عن صعود اليمين المتطرف فى الغرب ونفاجأ بخطاب العنصرية والكراهية وهو يعود على السطح من جديد بعد أن توهمنا اختفاءه ردحًا من الزمن وكأن فكرة الارتقاء الفكرى الإنسانى قد صارت فى حد ذاتها مشكوكًا فى صحتها. والمرء لا يشبعه الجواب السريع الذى قد يأتيه من وسائل الإعلام المختلفة وإنما هو فى حاجة دائمة إلى الإنصات للفلاسفة والحكماء.

«أَوَلَيس» الفيلسوف هو طبيب الحضارات كما تقول بعض الأمثال والحكم القديمة؟ لقد كان الفيلسوف الألمانى «هيجل» يقول دائمًا كلما أراد أن يُعرّف الفلسفة «الفلسفة هى وحدها القادرة على الحفر فى أعماق الواقع واستجلاء جوهر الأشياء. قد يستطيع الشعر أن يفعل ذلك وكذلك الحدس والمجاز، ولكن الفلسفة هى وحدها القادرة على تقديم خلاصة عقلانية منطقية لحقائق الأشياء».

لدينا فى مصر مشكلة كأداء لا أتصور أن بالإمكان تذليل المشاكل الكبرى الأخرى دون الحل الناجع لها. فهو المفتاح السحرى الذى يمكن من خلاله القضاء على التخلف. إنها مشكلة التعليم الإبداعى. كيف يمكن للفكر أن يكون مبدعًا؟.

لنستمع مثلًا للفيلسوف الفرنسى الكبير «باشلار» حينما يحاول الإجابة عن هذا السؤال فى كتابه العميق «فلسفة اللا»، إذ يقول: إن الفكر المبدع هو الفكر الذى يقول باستمرار للوضع الراهن «لا» من أجل أن يكتشف شيئًا جديدًا أو يضيف شيئًا جديدًا إلى ما سبق. إنها فلسفة «اللا» وليست فلسفة «النعم» لأن فلسفة النعم لا تؤدى إلى تحريك الأشياء الساكنة واستخراج أفضل إمكانياتها وإنما تتركها راكدة بلا حراك.

إن التقدم يعنى التغيير الفعال الدائب للواقع من أجل التغلب على مشكلاته وابتداع واقع متقدم جديد.

وقد جاء بعده تلميذه الفذ «كانغيليم» ليردد ما قاله أستاذه بصيغة أخرى، فيقول: «فى البداية كان الخطأ لا الصح. لأن الحقيقة كامنة فى ركام من الأخطاء وعلى الإنسان أن ينتزعها منه»، وفى محاولاته المضنية لإصلاح التعليم فى مصر، وضع المفكر الفيلسوف مراد وهبة برنامجًا فلسفيًا لإحداث ثورة جذرية فى التعليم، ذهب فيه إلى أن الإبداع يستلزم توافر ثلاثة شروط متكاملة:

الشرط الأول هو توافر العقل الناقد الذى يحتج على الواقع المتخلف ويقول له «لا». فلو تصورنا مثلًا أننا نعانى من مشكلة ما فى التعليم.

فلا شك أننا سنجتهد فى إخضاع هذه المشكلة للعقل النقدى الحر للكشف عن طبيعة الداء الذى أدى إلى ظهور المشكلة. العقل الناقد هو الوحيد الذى يمكنه أن يفكك فى جرأة وشجاعة العلاقات الكائنة بين عناصر المشكلة كما يصل إلى أصولها. أما الشرط الثانى فهو ضرورة استحداث علاقات جديدة فعالة بين عناصر المشكلة. فتغيير الواقع بعناصره لا معنى له لو لم يكن تغييرًا كيفيًا من شأنه أن يؤدى إلى حل المشكلة التى نجمت عن الوضع القديم.

أما الشرط الثالث فهو ضرورة أن يكون التغير فى ذاته ناموسًا لا يتوقف. فالحقائق المعرفية نسبية، ولهذا فإن الوضع الجديد سيتولد عنه بالقطع مشاكل جديدة تستلزم هى الأخرى فحصًا نقديًا عقلانيًا للوضع المستحدث الذى نشأت عنه. حقًا إن التغير الكيفى عند مراد وهبة هو بمثابة إعصار لا مفر منه لإحداث ثورة فى المفاهيم.

لو طبقنا هذه الرؤية الفلسفية على التعليم فى وضعه الحالى، لا مفر من مجابهة أسئلة عديدة يسعى المرء بإخلاص شديد إلى الإجابة عنها وسنكتفى هنا ببعض منها: ما هى علاقة مفهوم الجودة بمفهوم الإبداع؟ هل أدت الجودة بالفعل إلى ابتكار مخترعات جديدة وحلول ناجعة لمشكلات واقعية؟ كيف ذلك؟ هل اختفى من المؤسسات التعليمية بأنواعها المختلفة الكتاب المقرر كما هو الحال مثلًا فى الجامعات الغربية، وصار الطلاب يتوافدون على المكتبات للنهل من نبع المراجع المختلفة فى موادهم المقررة؟ كيف يمكن للإبداع أن يتحقق بواسطة التابلت ونظام الاختبار الرقمى فى المدارس والجامعات؟ وما هى المؤشرات التى يتم بواسطتها قياس الإبداع الفعلى؟ باختصار ما هو مفهوم الإبداع لدى المؤسسات التعليمية المختلفة؟.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا