أخبار العالم / الأهرام

أخلاق التوك توك

قديمًا كان لعلماء الاجتماع نظرية تسمى بـ"أخلاق الزحام"، وهى نظرية صحيحة تمامًا، نشاهدها يوميًا من خلال المواصلات، ففى وسط الزحام فى المترو أو الأتوبيس، تجد شابًا موفور الصحة لا يمكن أن يتخلى عن مقعده لشيخ مسن أو امرأة ضعيفة، بل يظل ينظر فى الأرض أو "الموبايل" متجاهلًا من هو فى أمس الحاجة إلى أن يجلس مكانه، حتى ولو كانت هذه المقاعد مخصصة لكبار السن أو السيدات.

ADTECH;loc=300


وربما تجد نفس هذا الشاب عندما تكون المواصلات أقل زحامًا، يقف متطوعًا عن مقعده لرجل أو سيدة أقل حاجة ممن بخل عليهم من قبل بمقعده، وقس على ذلك كل تصرفاتنا، تجد أن نظرية "أخلاق الزحام" نظرية صحيحة تمامًا، ونعانى منها فى مصر منذ عدة عقود.

فالأخلاق السيئة غالبًا ما تتناسب طرديًا مع نسبة الزحام، فالزحام يفجر أسوأ غرائز البشر، من عدوانية وشراسة وهمجية، وليس أدل على ذلك مما نجده فى زحام الحج، وهى فريضة للتقرب الى الله، ففى الزحام لا تجد من يزاحمك فقط، بل من يدفعك بمرفقيه دون اعتبار للمكان أو الزمان المقدسين، ولذلك أعتقد أن نظرية "أخلاق الزحام" هذه أضحت نظرية قديمة، وأصبحت لدنيا نظرية جديدة، هى نظرية "أخلاق التوك توك".

وقد دخل التوك توك إلى مصر بهدف استخدامه فى الأماكن النائية التى لا يوجد فيها مواصلات أو فى الريف، أو فى بعض الشوارع والحارات الضيقة التى لا تستوعب دخول السيارات والتاكسى فيها، ولكن فجأة، وبعد ثورة يناير 2011، تكاثرت التكاتك فى شوارع مصر، تكاثرًا سرطانيًا حتى قدر تقرير الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، عدد التكاتك فى مصر بحوالى 3 ملايين توك توك عام 2017، بينما قالت نجلاء سامى نقيب سائقى التوك توك، إن عدد التكاتك في مصر يزيد على 4 ملايين توك توك.

واذا كانت عدد السيارات فى شوارع مصر تقدر بنحو 12 مليونًا بشتى أنواعها، فقد أصبح لدينا "توك توك" مقابل ثلاث سيارات، إلا أنك لو ألقيت نظرة على أى شارع من شوارع القاهرة، ستجد أن عدد التكاتك فى الشارع أضعاف عدد السيارات.

وربما تعبر نظرية "أخلاق التوك توك" عن كم السلوك السلبى والعدوانى والفوضى الأخلاقية وانعدام الضمير وعدم تطبيق القانون فى أنصع صوره.

فأغلب قائدى التوك توك أطفال لا يتعدى عمرهم 10 سنوات، أو الصبية، أما عن سلوكياتهم، فهم لا يلتزمون بأى قواعد للمرور، ويمشون عكس الاتجاه، بل ويتحرشون بأى مشاة ينتقدون سلوكياتهم، ويستخدمون أعمال البلطجة والعنف والتحرش والسرقة، حتى وصفهم أستاذ إدارة المحلية بأن "التكاتك" أصبحت "بؤرة إجرامية متنقلة"، حيث يستخدم في عدد كبير من جرائم الخطف والسرقة، بالإضافة إلى تعاطي المخدرات.

وتستطيع بسهولة أن تطبق نظرية "أخلاق التوك توك" على كل مظاهر الحياة فى مصر، فانظر الى كم الإسفاف فى الأغانى والأفلام والمسلسلات، تجد أن نظرية أخلاق التكاتك تطبق عليه بسهولة، وانظر إلى الإعلام، تجده يعتمد على غسيل دماغ المشاهد، ويردد نغمة واحدة، مطبقًا نظرية "الزن على الودان أمر من السحر"، تجد أن نظرية التكاتك تطبق عليه بسهولة.

ورغم أن لدينا لاعبين لكرة القدم تقدر بملايين الجنهيات، فانظر إلى "العك الكروى" الذى يقدمونه، مقارنة بما نشاهده فى الدوريات العالمية، ومع ذلك انظر إلى أخلاق عناصر هذه المنظومة من خلال ما حدث بعد مباراة الأهلى وبيراميدز ومباراة الزمالك وبيراميدز، بل انظر إلى التعصب الأعمى الذى يمارسه مسئولو هذه اللعبة وإعلاميوها وجماهيرها أيضًا عبر وسائل التواصل الاجتماعى، تجد أن نظرية التكاتك تطبق عليه بسهولة.

بل انظر إلى سلوك المواطن المصرى من خلال وسائل التواصل الاجتماعى، وتدهشك كم "السفالة" التى يمكن أن يتحدث بها، ليس فقط الشباب، بل أيضا الشابات، ولا أصدق أن هذه الألفاظ القبيحة والنابية، يمكن أن تتلفظ بها فتاة أو سيدة محترمة، بل انظر إلى سلوك المواطن المصرى من زحام وفوضى، وعدم التزام بالقانون أو تطبيقه، وفى حال تطبيقه تجده لا يطبق على الجميع، ولكنها يبدو أخلاق التكاتك التى سادت كل شىء.

تعامل مع أى حرفى، سباك، نجار، ميكانيكى، كهربائى، وغيره، فتجده لا يفى بمواعيده، ولا يحسن أداء عمله كما أمرنا الرسول الكريم، ويطالب بأجر أضعاف ما يستحق، بل إذا تجاوزت الحرفيين، وتعاملت مع أصحاب المهن المختلفة، أو الموظفين الحكوميين، فلا تجد سوى "أخلاق التكاتك".

فمتى نتخلص من "التكاتك" فى شوارعنا؟ ومن "أخلاق التكاتك" فى سلوكياتنا؟

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

قد تقرأ أيضا